تفسير نشيد الانشاد - الكتاب المقدس - العهد القديم -  سفر نشيد الأنشاد -  الفصل / الإصحاح الثامن (٨)


اقرأ النص اولا - ثم يليه الشرح 




 النص


الكتاب المقدس - العهد القديم
سفر نشيد الأنشاد

الفصل / الإصحاح الثامن

 

1 ليتك كأخ لي الراضع ثديي أمي، فأجدك في الخارج وأقبلك ولا يخزونني

2 وأقودك وأدخل بك بيت أمي، وهي تعلمني، فأسقيك من الخمر الممزوجة من سلاف رماني

3 شماله تحت رأسي ، ويمينه تعانقني

4 أحلفكن يا بنات أورشليم ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء

5 من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها ؟ تحت شجرة التفاح شوقتك، هناك خطبت لك أمك، هناك خطبت لك والدتك

6 اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك. لأن المحبة قوية كالموت. الغيرة قاسية كالهاوية. لهيبها لهيب نار لظى الرب

7 مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة، والسيول لا تغمرها. إن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة، تحتقر احتقارا

8 لنا أخت صغيرة ليس لها ثديان. فماذا نصنع لأختنا في يوم تخطب

9 إن تكن سورا فنبني عليها برج فضة. وإن تكن بابا فنحصرها بألواح أرز

10 أنا سور وثدياي كبرجين. حينئذ كنت في عينيه كواجدة سلامة

11 كان لسليمان كرم في بعل هامون. دفع الكرم إلى نواطير، كل واحد يؤدي عن ثمره ألفا من الفضة

12 كرمي الذي لي هو أمامي. الألف لك يا سليمان، ومئتان لنواطير الثمر

13 أيتها الجالسة في الجنات، الأصحاب يسمعون صوتك، فأسمعيني

14 اهرب يا حبيبي ، وكن كالظبي أو كغفر الأيائل على جبال الأطياب





الشرح


يعتبر اليهود نشيد الانشاد (أو قدس الاقداس) نشيد رمزي يعكس علاقة الحب المتبادل بين الله و شعبه إسرائيل ، 

تسلمت الكنيسة المسيحية من يدي الكنيسة اليهودية هذا السفر ضمن أسفار العهد القديم، وقد احتل هذا السفر مركزًا خاصًا بين الأسفار لما يحمله من أسلوب رمزي يعلن عن الحب المتبادل بين الله وشعبه ((المسيح  (العريس) و الكنيسة ("عروسه")) ، أو بين الله والنفس البشرية.





في هذا الفصل / الإصحاح الثامن :

+  الآيات من ١ إلي ٣ : العروس هي المتكلمة ... 

(و هي تناجي عريسها ) 


+ الآية  ٤ : العروس هي المتكلمة هنا ...

(و هي تحدث صديقاتها ، بنات اورشليم ، عن عريسها)


+ الآية  ٥ : قد يكون المتكلم صديقات العروس أو العريس ... 




(ملحوظة : نسخ الكتاب المقدس التي كتبت فوق الايات من هو المتكلم وضحت ان : 

المتكلم هنا في : 

الجزء الاول من عدد ٥ من الاصحاح االثامن من سفر نشيد الانشاد ،  -- " من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها ؟ " -- ، هم الاصدقاء و ليس العريس ... 

بينما ان المتكلم هنا في : 

الجزء الثاني من عدد ٥ من الاصحاح االثامن من سفر نشيد الانشاد ،  -- " تحت شجرة التفاح شوقتك، هناك خطبت لك أمك، هناك خطبت لك والدتك " -- ، هو العريس و ليس الاصدقاء ...  لذا قد يختلف الشرح ، ندعوك للبحث)





+ الآيات من ٦ إلي ١٢ :  العروس هي المتكلمة ...

(و هي تصف لعريسها مدي حبها و تعلقها به)




(ملحوظة : نسخ الكتاب المقدس التي كتبت فوق الايات من هو المتكلم وضحت ان المتكلم هنا في :  الاصحاح الثامن من سفر نشيد الانشاد ، عدد ٨ + ٩ ، هم الاصدقاء و ليست االعروس ... لذا قد يختلف الشرح ، ندعوك للبحث)





+ الآية ١٣ : العريس هو المتكلم ... 

(و هذه هي أخر كلمات العريس لعروسه في سفر نشيد الانشاد)


+ الآية ١٤ : العروس هي المتكلمة ... 

(و هذه هي أخر كلمات العروس لعريسها في سفر نشيد الانشاد)





1 ليتك كأخ لي الراضع ثديي أمي، فأجدك في الخارج وأقبلك ولا يخزونني


في هذا الحديث أيضًا نلاحظ الآتي : 

١) هنا تتمنى العروس ان تتمتع بالحبيب وبالشركة معه  ، انها تتمني أن تقبّله علانية و لكن كان التقبيل العلني قديمًا بين الرجال والنساء حتى بين الزوج وزوجته يعتبر خدشًا للحياء ومنافيًا للياقة، وكان مسموحًا به فقط بين الأقرباء بالدم (المحارم) كالأخ والأخت.. ومن ثم أحست العروس بالحرج في تحقيق شهوة قلبها المقدسة، وبعجزها عن الإفصاح للعالم عن عمق محبتها لعريسها.. وكأنها أرادت أن تقول "ليتك كنت أخي لكي أستطيع أن أظهر للجميع كيف نرتبط ببعضنا في الله، وحتى حين أريد أن أعلن ذلك جهرًا وأعبّر عن محبتي لك يا حبيبي، فلا يحتقرني ويُسَفّهني الآخرون لكوني غير قادرة على إخفاء حبي.. لهذا تريده كأخ لها الراضع ثديي أمها فتظهر عواطفها نحوه علانية وتقبله في حضرة البشرية كلها دون أن ينسب لها لوم!!


* * * 


٢) لعل سرّ دعوتها له  "ليتك كأخ ليّ..." إنما تعلن عن شهوة كنيسة العهد القديم التي كانت تنظر إلى الله كمن هو في الخارج، إذ تقول "أجدك في الخارج"، تطلب إليه أن ينزل إلى جنس البشر ولا يبقى منعزلًا، بل يصير أخًا بكرًا باشتراكه معنا في طبيعتنا وحلوله في وسطنا، فنستطيع أن نتعرف عليه، ونقبله بقبلات العبادة العلنية، وندخل به إلى حياتنا الداخلية.


* * * 


٣) هو أيضًا حديث كنيسة العهد الجديد التي أدركت في نضوح حبها أن السيد المسيح الأخ البكر -  وهو ربها وسيدها وعريسها - يُقبله المؤمنون بقبلات العبادة الحية، ويدخلون به إلى بيت أمهم - أورشليم السماوية - ليعيشوا معه وجهًا لوجه في أحضانه الأبدية.





2 وأقودك وأدخل بك بيت أمي، وهي تعلمني، فأسقيك من الخمر الممزوجة من سلاف رماني


وأقودك وأدخل بك بيت أمي = 

+ لكن ما هو "بيت أمي" الذي تقول عنه العروس حيث تريد أن تدخل بالعريس إليه ؟

 إنه الكنيسة و أورشليم السماوية التي قال عنها بولس الرسول "أورشليم العليا التي هي أمنا جميعا(غلاطية ٤/ ٢٦).. وهناك تسقيه من خمر بهجتها الممزوجة من عصير رمانها.


فأسقيك من الخمر الممزوجة من سلاف رماني =

ولماذا الخمر من عصير رمانها؟! 

الرمان يشير إلى حياة الجهاد. فشجرة الرمان مملوءة شوكًا. وغلاف الرمان مرّ، وفى داخله بذور كثيرة تحمل عصيرًا يحمل طعمًا لذيذًا.. إن الفرح في المسيحية لابد وأن يمتزج بالتعب والجهاد الروحي إلى النهاية.


رأينا الخمر كرمز الحياة الفرح والبهجة... فالكنيسة هي البيت المفرح الذي يستقبل الخطاة التائبين فيعطيهم الرب فرحًا داخليًا وبهجة لا تقدر الأحداث الزمنية أن تنزعها. أما الرمان فيُشير إلى حياة الجهاد، فشجر الرمان مملوء أشواكًا، وغلافه مرّ، وفي داخله بذور كثيرة، لكن عصيره يحمل نكهة جميلة وطعمًا لذيذًا. فالفرح في المسيحية يمتزج بالأتعاب والجهاد الروحي حتى النهاية.


التعلم في الكنيسة - (بيت الأم) - ليس مجرد معرفة عقلية أو حفظ تعاليم عن ظهر قلب، لكنه في جوهره دخول إلى ممارسة "الحياة مع المسيح" ، و "الحياة مع المسيح" تجعلها تتعلم كيف تقابل حب المسيح بحبها. وهناك تنكشف لها أسراره السماوية. فحين ترد الحب بالحب ، فكأنها تسقي المسيح من خمر حبها ليفرح. وحبها هذا ممزوج بعصير= سلاف رماني = أي استعدادها لبذل حياتها حتى الدم مثله. وإذا كانت ثمارها رمان (نشيد الانشاد ٤ / ١٣)  فما يفرح المسيح محبتها الباذلة أي تتشبه به. وهذا ما كان يعنيه الرب حين قال "من أراد أن يكون لي تلميذا فليحمل صليبه ويتبعنى" (لوقا ١٤ / ٢٧) فمن يتتلمذ على حياة المسيح الذي بذل نفسه على الصليب ، يتشبه به في محبته الباذلة. فهذه هي مدرسة المسيح التي يطلب المسيح أن نكون تلاميذه فيها ، مدرسة الصليب. وما هو الصليب في نظر المسيح ؟ حب باذل تجاه البشر حتى آخر قطرة دم.


لقد  وجدت العروس هناءها  و راحتها  بين  ذراعي حبيبها . 





3 شماله تحت رأسي ، ويمينه تعانقني

إذ رغبت العروس في ان تتمتع بالعريس المبارك وبعشرته السعيدة والهنيئة، وان تتاح لها الفرصة لتسقيه من الخمر المزوجة من عصير رمانها ، من سجودها وتعبدها ومن محبتها وتكريسها، فقد وجدت من حبيبها ترحيبا كاملا. لقد ضمها إلى صدره، وحملها في حضنه حيث وجدت راحتها بين ذراعيه "شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني" . 


سبق أن قلنا في نهاية الأصحاح السابق أنه كثمرة من ثمار المحبة بدأت العروس تتجه للخدمة مع عريسها ، و ربما و هي تخدم ستواجهها متاعب الخدمة و مشاكل عديدة إلا أنها  ستجد  التعزيات في علاقتها الخاصة مع حبيبها "شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني" ، و هذا ما ختبره يوحنا الرسول ، ذلك التلميذ الذي أحبه يسوع .  


عندما كان يوحنا الرسول حبيب الرب منفيًا في جزيرة بطمس، ورأى الرب في جلاله سقط عند رجليه كميت، فوضع يده اليمنى عليه قائلًا له لا تخف. وهى نفس اليد التي رآها يوحنا مثقوبة ومسمّرة بالصليب عند الجلجثة، ورآها بعد ذلك مرفوعة بالبركة وقت صعود المسيح إلى السماء..

وإذ وضع يده عليه ملأ قلبه سلامًا وبدّد كل مخاوفه.. لقد اختبر يوحنا وهو التلميذ الذي كان يسوع يحبه ، ما اختبرته العروس هنا "شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني"، حينما اتكأ وقت العشاء الأخير على صدر الرب يسوع.. ما أحلى حينما نريد أن نأوى إلى فراشنا أن نستودع حياتنا بين يديّ الرب ونتذكر هذه الكلمات ونتخيلها ونطلب منه أن يتممها معنا "شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني".. من تلك النفس التي تقر ان تقترب من حضن الرب.. انها تنام في حب ودفء وحماية وسلام وبركة ما بعدها بركة..





4 أحلفكن يا بنات أورشليم ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء


أما عن قولها "أحلفكن يا بنات أورشليم ألا تيقظن ولا تُنبهن الحبيب حتى يشاء" فسبق أن تكررت في موضعين سابقين في هذا السفر ،  لماذا تذكر الكنيسة / النفس هنا للمرة الثالثة ؟ 


في  المرة الأولي (نشيد الانشاد ٢ / ٧)  النفس تعرفت على المسيح بعد أن كانت مرتبطة بالعالم، وتذوقت طعم الفرح حينما دخلت في علاقة حب مع عريسها. فصارت شهوة قلبها أن تراه هو أيضًا فرحا ولا يزعجه أحد. 

وفي المرة الثانية (نشيد الانشاد ٣ / ٥) النفس كانت قد إختارت المسيح ولكن محبتها أصابها الفتور وهذا كان يزعج حبيبها المهتم بخلاص نفسها ومع رجوعها لحبيبها عادت فرحتها.

وفي المرة  الثالثة هنا هي نفس خادمة تتألم في الخدمة. 

في جميع الحالات هي تناشد من حولها أن يلزمن الهدوء والصمت حتى لا يحدث ما يعكر صفو الشركة الحلوة مع عريسها حبيبها. إن كل من اختبر حلاوة الشركة مع يسوع  المسيح وذاق مشاعر محبته لا يمكن إلا أن يرغب في استمرار هذه الافتقادات الإلهية، على نحو ما اشتهى بطرس ذلك فوق جبل التجلي وقال "جيد يا رب أن نكون ههنا"..و تقول العروس هنا لبنات أورشليم "حتى يشاء"، لأن التعزيات الإلهية لا تستمر على طول الخط وذلك من أجل خير الإنسان حسب كلمة الله..





5 من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها ؟ تحت شجرة التفاح شوقتك، هناك خطبت لك أمك، هناك خطبت لك والدتك




(ملحوظة : نسخ الكتاب المقدس التي كتبت فوق الايات من هو المتكلم وضحت ان : 

المتكلم هنا في : 

الجزء الاول من عدد ٥ من الاصحاح االثامن من سفر نشيد الانشاد ،  -- " من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها ؟ " -- ، هم الاصدقاء و ليس العريس ... 

بينما ان المتكلم هنا في : 

الجزء الثاني من عدد ٥ من الاصحاح االثامن من سفر نشيد الانشاد ،  -- " تحت شجرة التفاح شوقتك، هناك خطبت لك أمك، هناك خطبت لك والدتك " -- ، هو العريس و ليس الاصدقاء ...  لذا قد يختلف الشرح ، ندعوك للبحث)





 من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها ؟ 

من هذه الطالعة من البرية =  لقد سبق و تكررت تلك الكلمات في نشيد الانشاد ٣ / ٦.


قد تكون هذه الطالعة من البرية هي الكنيسة التي يتطلع  إليها العالم و التي هي جسد المسيح والشاهدة له أمامه.


ايضا إن هذه الطالعة من البرية قد تكون هي النفس البشرية التي تعيش في العالم.. لقد سمح الرب بحسب تدبيره أن يتغرب شعبه في البرية أربعين سنة وذلك من أجل تدريبهم الاعتماد عليه في كل شيء، بل أكثر من هذا أن يعلموا أنه هو طعامهم وشرابهم!! كان المن النازل من السماء وكان الصخرة التي تفجر منها الماء وتابعتهم حيثما حلّوا، وكلاهما كان رمزًا للمسيح!!


ان "البرية" هي المكان الوحيد الذي فيه يهذبنا الرب ويمتحننا بوسائله الإلهية والذي فيه نتعلم ونختبر ضعفنا وانحراف طبيعتنا، ولكن هناك أيضا نتعلم درس الاعتماد على نعمة ربنا يسوع المسيح الكاهن العظيم، وبذا نستطيع الطلوع من البرية مظهرين حيث أننا في ضعفنا نستند على قوة حبيبنا "تقووا في الرب وفي شدة قوته" (أفسس ٦ / ١٠)  وبذا تصير نعمة المسيح وقوته ظاهرتين في ضعفنا إذ أننا لا نستطيع ان نسير خطوة واحدة في البرية بدونه وبدون معونته "تكفيك نعمتي لان قوتي في الضعف تكمل" (رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس ١٢ / ٩).


ان تدريبات البرية كلها لخيرنا ولبركتنا سواء أكانت تجارب متنوعة أم أمراضا جسدية أم أحزانا أو غير ذلك وهي وسائل الله معنا لتهذيبنا وتزكية إيماننا، ومتى تدربنا بها فأنها تنشيء لنا فرحا أبديا، فإذا ما انتهت سياحتنا وغربتنا في هذه البرية وطلعنا منها فأننا لا نخلص فقط من مشقاتنا وتجاربنا بل نحمل معنا ثمارها المجيدة ، نحمل معنا ربحا وفيرا لمجد الله وحمده.


تحت شجرة التفاح شوقتك، هناك خطبت لك أمك، هناك خطبت لك والدتك = 

لقد خرجت العروس من البرية كلها بيضاء و كان سرّ صعودها هكذا من البرية انها مستندة على حبيبها. 


شجرة التفاح  =

لقد رأينا قبلًا أن "شجرة التفاح" تُشير إلى التجسد الإلهي، إذ ظهر الرب "كشجرة التفاح بين شجر الوعر" (نشيد الانشاد ٢ / ٣) . فخلال التجسد الإلهي أمكن للكنيسة الأم أن تنجب أولادًا لله في المعمودية، قادرين على الارتفاع نحو السمويات بالإله المتجسد... هذه هي الولادة الجديدة، وهذه هي فاعليتها في حياة المؤمنين. هنا ربط بين التجسد الإلهي وولادتنا الروحية، فالسيد وُلد جسديًا لكي نولد نحن روحيًا. وهذا هو سرّ الاحتفال بعيدي الميلاد والعماد (الغطاس) في يوم واحد في الكنيسة الأولى...، إذ يرتبط العيدان معًا في ذهن الكنيسة.


بسبب التجسد أمكن للكنيسة أن تصبح أماً ولود تلد أولاداً لله. فالمسيح ولد جسدياً لنولد نحن روحياً. الكنيسة مازالت تقدم كل يوم لله أولاداً، وللمسيح عرائس يخطبهن كعذارى مكرسين أنفسهم له. هنا التي تتكلم هي كنيسة العهد الجديد التي مازالت تقول مع بولس الرسول "خطبتكم لرجل واحد" (رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس ١١ / ٢).  والكنيسة بالمسيح الذي فيها صارت أما ولود. وهي تشوق المسيح بخدمتها التي تجذب نفوسا للمسيح، تدعوهم للإيمان فتخطبهم للمسيح. وتعمدهم فيصيروا أولادا لله. وتدعوهم للتوبة وتغذيهم بجسد المسيح فيثبتوا فيه. كان لا بد من التجسد والفداء .


هناك خطبت لك أمك = 

الأم والوالدة التي خطبت هي أورشليم السمائية التي هي "أمنا جميع" (غلاطية ٤ / ٢٦). إن النعمة هي العمل الكامل للثالوث القدوس.. وعندما تبحث النعمة عن خاطئ فإنها تضعه تحت شجرة التفاح أي تحت ظلال المخلص. 


هناك خطبت لك أمك، هناك خطبت لك والدتك ... فلماذا التكرار؟

الخطبة تحتاج لمهر يدفعه العريس. والعريس المسيح دفع دمه مهرا لعروسه.

و كان هذا المهر (مهر الخطبة) هو الفداء الذي  تم على مرحلتين : -

1)    التجسد وهذا تم بالميلاد من العذراء القديسة مريم.

2)    الصليب وهذا تم بيد الأمة اليهودية التي وُلِدَ منها المخلص.


هناك ، أي تحت شجرة التفاح (التجسد). لم يكن هناك خطبة بين العريس وعروسه إلا على أساس التجسد و الصلب. ولننظر المهر المدفوع للعروس (نشيد الانشاد ٣ / ١١ ) ، فالمهر كان دمه الذي سال بهذا الإكليل والجلدات، وغيره من الطعنات التي طعن بها. بل أن دمه بدأ يسيل من وقت صلاته في بستان جثسيمانى إذ كان عرقه دما غطى جسده. هنا الأم هي الشعب اليهودي الذي خرج منه المسيح ثم صلبه، وهي -  أي الأم - بهذا خطبت له كنيسة جديدة لتصير عروسه.


* * *


 أن المسيح شوقنا بتجسده وحياته وفدائه.. "هو الذي أخذ ما لنا وأعطانا ما له".. هو الذي بارك طبيعتنا فيه وجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية. هو الذي أظهر عمق محبته ليس للأبرار والأصحاء الذين لا يحتاجون إلى طبيب بل للخطاة والمرضى بالروح.. هو الذي أظهر حنوّه نحو خليقته الذين رآهم منطرحين ومنزعجين كغنم لا راعى له.. 





6 اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك. لأن المحبة قوية كالموت. الغيرة قاسية كالهاوية. لهيبها لهيب نار لظى الرب


إن كانت النفس قد تمتعت خلال المعمودية بالميلاد الجديد تحت شجرة التفاح، وفي سرّ الميرون ختمت بختم الروح القدس، فصارت في ملكية العريس، تحمل ختمه وسماته، فإنها تعتز بهذا الختم الذي صار لها في كل جوانب حياتها.. هذه الحياة تشعل لهيب حبها نحوه فتسأله لا أن يقبلها بين ذراعيه أو يأخذها في أحضانه الأبدية، بل تشتهي أن تلتصق به كالختم على قلبه وساعديه، لا يفصلها حتى الموت عنه.! بهذا تستقر العروس في قلب الله "مركز العاطفة والحب" وفي ساعده "مركز العمل"، تستريح إلى الأبد على عرش محبته وعلى كرسي قدرته! هذه هي دالة الكنيسة لدى عريسها.!


إنها تطلب أن تكون ختمًا على قلب العريس، فهي لا تطلب أن يكون لها مجرد موضع في قلبه بل تحتل القلب كله، وكأن الله لا ينشغل إلاَّ بها. تُريد لا أن يكون أسمها منقوشًا على قلبه، بل هي بكل حياتها مختومة عليه، فلا يقدر أحد أن يقترب أو يمحو أسمها من أمام وجه الله.


هذه النفس وصلت هنا لأعلى درجات الحب مع المسيح عريسها ، وإنفتحت عيناها وأدركت الثمن المهول الذي دفعه عريسها لمحبته لها ، فتساءلت .. ماذا أقدم له لأفرح قلبه ؟ ما يفرح قلبه هو جذب نفوس كل الناس ، فهو لهذا مات وقام فهو يريد أن الجميع يخلصون . إذاً فلأعمل في حقل الخدمة ، لخدمة من أحبهم ومات لأجلهم . 


 اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك =

الخاتم هو الشمع الأحمر ، وكانوا يرفعون درجة حرارته حتى يذوب ويضعون عليه الخاتم فتنطبع الصورة على الشمع (الختم).

إذاً يا رب ضعنى على قلبك وبحرارة محبتك النارية التي في قلبك.


الخاتم يحمله الشخص إما على صدره مُدَلَّى من رقبته، أو هناك من يحب شخص فيضع صورته على صدره أو على ساعده في سوار. والأقرب للتصور، فهناك طريقة قديمة ومازالت مستخدمة، بإذابة الشمع ثم وضع الختم على الشمع المذاب فيتشكل بشكل الختم. 


وهذه العروس شعرت بمحبة عريسها النارية = لهيبها لهيب نار لظى الرب ...


هذه المحبة النارية أشعلت حبها وجعلتها تذوب في حب عريسها فتتحد به. والشمع المذاب يتشكل بحسب صورة الختم. ونحن مختومين بختم الروح القدس ليتصور فينا المسيح ونأخذ صورته (أفسس ٤ / ٣٠ + رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس ١ / ٢١ - ٢٢ + غلاطية ٤ / ١٩ + رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي ٣ / ١٠).


وأين تريد أن يضعها حبيبها ؟ على قلبه. هي تريد أن تملأ قلب حبيبها كله، فلا يستطيع أحد أن يقترب إليها ويمحو إسمها من أمام وجه الله. والختم عن طريق الشمع تختم به الأوراق الهامة حتى يظل محتواها سرياً، وهي تريد أن تكون علاقتها بحبيبها سرية لا يعرفها أحد، هو يملأ كل قلبها، وهي تملأ كل قلبه، ولا أحد يعرف هذه العلاقة. والختم أيضًا يوضع على الأوراق لإثبات صحة الورقة، وبهذه الأوراق تصرف النقود، وكان لكل إنسان في القديم خاتم منقوش عليه صورة خاصة به، ويعلقه دائما معه. ولذلك حين عاد الابن الضال قال أبوه "إجعلوا خاتما في يديه"، ليكون له سلطان أن يصرف من أموال أبيه ونعم أبيه (المواهب) مرة أخرى.


كخاتم على ساعدك = 

إن الخاتم (الختم) على القلب، وعلى الذراع، هما بمثابة عهد وضمان إلهي بأن لنا كل محبة المسيح وكل قوته.

قال الله "نقشتكم على كفي" لإظهار رعايته. هذه العروس التي اشتعلت حبًا تريد أن تكون في قلبه مركز عواطفه وتأخذ صورته، وليس هذا فقط بل على ساعده ايضا مركز العمل لتعمل معه،. وإذا فهمنا أن الساعد يشير للمسيح "اِسْتَيْقِظِي، اسْتَيْقِظِي! الْبَسِي قُوَّةً يَا ذِرَاعَ الرَّبِّ" (سفر إشعياء ٥١ / ٩) نفهم أن النفس تريد إتحادًا كاملًا مع المسيح المتجسد.


* * * 


لأن المحبة قوية كالموت = 

كان أقوى شيء قبل المسيح هو الموت، و لكن بعد المسيح تَغَيَّر هذا فقيل "أين شوكتك يا موت" ، فالمسيح بمحبته هزم الموت و اصبحت المحبة أقوي من الموت.  

العروس هنا تود أن تقول أن محبة عريسها أقوى من الموت، وهذا ما إتضح على الصليب، وهي تعتمد على محبته القوية هذه ليعيد تشكيلها فتصبح على صورته. وهناك من أحب المسيح وصارت له نفس صورة هذه المحبة ونرى هذا في مواكب الشهداء الذين أحبوا الموت حبا في المسيح وفضلوه عن حياتهم. محبة المسيح كانت أقوى من الموت، محبة الذين أحبوه كانت أقوى من الموت وظهر هذا في الإستشهاد. وهذا نفس ما ردده القديس بولس الرسول (رومية ٨ / ٣٨ - ٣٩) والموت قوي في التدمير، أما الحب فقوي جدًاً في الإنقاذ والخلاص، ولا شيء يوقف أو يبطل هذا الحب.


الغيرة قاسية كالهاوية. لهيبها لهيب نار لظى الرب =

النفس التي تحب لو شعرت أن حبيبها سيتركها تفضل أن تلقى في الهاوية أو القبر عن أن يتركها حبيبها. ومن أشعل هذا اللهيب هو الرب =  لهيبها لهيب نار لظى الرب ، وهكذا حل الروح القدس على شكل ألسنة نار وسكب محبة الله في قلوبنا (رومية ٥ / ٥). ونرى هذه المحبة النارية أيضًا في قلب الخادم المملوء بالروح النارى تجاه أولاده "من يضعف وأنا لا أضعف ، من يعثر وأنا لا ألتهب" (رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس ١١ / ٢٩) . هذه الآية هي مثال للخدمة المثالية ، أن يحب الخادم المسيح ، ويحمل صورته ومحبته للناس ، فيرى الناس فيه صورة المسيح ، ويعمل بقوته مستندا عليه فيكون آلة بر في يد المسيح (رومية ٦) . العروس في غيرتها القاسية كالهاوية تطلب من عريسها أن تأخذ صورته وتعمل بقوته لتجذب له أولادا تخطبهم له، وتشتاق ألا يهلك أحد.





7 مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة، والسيول لا تغمرها. إن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة، تحتقر احتقارا


ان كل  مياه بحور هذا العالم لا تستطيع أن تطفئ نار المحبة ، و نار المحبة تحرق كل خطية داخلها. ولا توجد ثروة في العالم تستطيع ان تعادل قيمة محبة  الله لنا  "ان أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر احتقار" وأين نجد محبة مثل هذه؟ أنها في قلب ربنا يسوع وحده "الذي أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا" (أفسس ٥ / ٢) "    بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا" ( رسالة يوحنا الرسول الأولى ٣ / ١٦). لقد كان كل واحد منا بمفرده في قلب الرب يسوع عندما  كان على الصليب. 


كل نفس ترفض ثروة ، إن كانت بديلًا عن المحبة ، فهي تسير علي خطي حبيبها يسوع المسيح ، فهكذا رفض المسيح كل أمجاد العالم، وهكذا كل نفس أحبت المسيح تحتقر كل ثروات العالم لأنها تحبه ولا تعوضها ثروات العالم عن محبته. ودعوة المسيح لكل نفس "يا ابني أعطني قلبك" فهو لا يريد المال ولا أي شيء إن لم يسبق الحب كل شيء. فلو أعطت الزوجة لزوجها كل شيء حتى جسدها لكن بدون محبة لما فرح الزوج. والرجل الذي يتزوج بامرأة لأجل مالها يُحْتَقَرْ. المسيح يطلب الحب المتبادل.


ان المحبة الإلهية هي أسمى من كل مقاومات الأعداء، ولا شيء يستطيع ان يعمله البشر أو الشيطان يمكنه ان ينتصر علي المحبة ، و يكفي فقط أن نتأمل في تاريخ الكنيسة، أو في حياة المؤمنين ،  لنتأكد من قوة المحبة. 





شرح الآيات ٨ و ٩ :


8 لنا أخت صغيرة ليس لها ثديان. فماذا نصنع لأختنا في يوم تخطب

9 إن تكن سورا فنبني عليها برج فضة. وإن تكن بابا فنحصرها بألواح أرز




(ملحوظة : نسخ الكتاب المقدس التي كتبت فوق الايات من هو المتكلم وضحت ان المتكلم هنا في :  الاصحاح الثامن من سفر نشيد الانشاد ، عدد ٨ + ٩ ، هم الاصدقاء و ليست االعروس ... لذا قد يختلف الشرح ، ندعوك للبحث)





لنا أخت صغيرة ليس لها ثديان. فماذا نصنع لأختنا في يوم تخطب =

لنا أخت صغيرة = 

قد يكون هذا قول كنيسة العهد القديم إذ إنشغلت بالأمم الوثنيين غير المؤمنين (أي أخذت تفكر في طريقة خلاص نفوسهم وهم ليس لديهم شريعة ولا أنبياء). 

وقد يكون هذا قول كل نفس أحبت المسيح وتذوقت حلاوة الحب إذ انشغلت بكل من لم يعرف المسيح بعد ولم يتذوق النعمة وليس له ثمر روحي بعد. 


ليس لها ثديان = 

ليس للأمم الوثنية ناموس ولا توراة، ليس لهم عهد جديد أو عهد قديم، ليس لهم كلمة الله ولا رؤيا إلهية وهكذا كل نفس لم تتذوق لذة الكتاب المقدس. 


فماذا نصنع لأختنا في يوم تخطب = 

أي إذا جاء رسول للمسيح ليخطبها له (للمسيح )، كيف ستتعرف عليه ؟ 

هنا الأخت الكبرى تسند وتصلي للأخت الصغرى التي لم تكتشف الحق الإنجيلي بعد ولم تتعرف على المسيح عريسها. 

ولعل هذه الآية كانت في فكر مرقس الرسول حينما أتى إلى مصر بعبادتها الوثنية وفلسفتها الوثنية، ما هو المدخل الذي يدخل به لهؤلاء الناس ليكلمهم عن المسيح ويخطبهم عروسا له، وكانت هذه الآية في فكر بولس الرسول حينما وقف أمام فلاسفة الأريوس باغوس في أثينا. ولكن الروح القدس يعطى في تلك الساعة ما نتكلم به. وبولس الرسول يقول لأهل كورنثوس "خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" وكان يشير لدعوتهم للإيمان بكرازته.


* * *


إن تكن سوراً = 

إن كانت ترفض كلمة الله و منفصلة عنه  بسبب خطايا العالم.


فنبني عليها برج فضة = 

الفضة تشير لكلمة الله = يبدأ الروح القدس يعلِّم ويذكر هذه النفس بكلمات الكتاب المقدس = الفضة ، فتكون لها كبرج عالٍ يكتشف الهجمات الفكرية التي لعدوها إبليس فتجيب إبليس بكلمات الكتاب (الفضة) كما فعل عريسها حين جربه المجرب. وأيضا تأخذها كلمات الكتاب المقدس للعمق، ومن يدخل للعمق يأتي بصيد كثير (لوقا ٥ / ٤) ، أي ستتحول هذه النفس لكارزة بشهادتها بكلمة الله في العلن. 


وإن تكن باباً = 

بعد الخطوة الأولى صارت الاخت الصغري كارزة تشهد ليسوع المسيح و اصبحت باباً يدخل منه المؤمنون لحب المسيح أو غير المؤمنين للإيمان، و هي عتدما صارت باباً  فلن تسلم من العدو (ابليس) الذي سيهاجمها ويحاربها ولكن الله سيسيج حولها بألواح أرز.


"الباب" الحقيقي "أنا هو الباب. ان دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى" (يوحنا ١٠) فبالمسيح وحده الإتيان إلى الله، وإلى التمتع بملء البركة الإلهية "ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يوحنا ١٤ / ٦)  ولكن الله لم يغير فكره من ان يكون شعبه أيضا "بابا" يمكن بواسطته الوصول إلى معرفته تعالى. ان الله الذي لم ينظره أحد قط يريد ان يرى في شعبه ويعرف بواسطتهم "إذ نسعى كسفراء عن المسيح كان الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تعالوا مع الله" 



فنحصرها بألواح أرز = 

بعدما صارت باباً سيهاجمها العدو ويحاربها ولكن الله سيسيج حولها بألواح أرز.


ألواح الأرز =  

الأرز في علوه يشير للسماويات فهو ينبت على الجبال العالية، وفي رائحته الجميلة يشير لرائحة المسيح الزكية التي تجذب الآخرين. ويشير علو الأرز إلى الأفكار السماوية التي فيها حماية من تفاهة المغريات العالمية. وكما رأينا في (نشيد الانشاد ٥ / ١٥)  أن العريس مشبه بالأرز. فإن فتحت النفس بابها لملذات العالم ومغرياته يضع المسيح نفسه كباب من الأرز ليحمى خرافه من الهروب من الحظيرة، فهو باب الخراف (يوحنا ١٠). حقا هو باب الخراف لكنه لا يستخدم قوته ليمنع الخراف من الخروج ، فالله خلقنا أحرارا. فإن هاجمت أولاد الله الأفكار المادية يذكرهم بالوعود السماوية والأمجاد المعدة لهم.


* * *


إن سرّ ضعف الصغرى أنها بلا ثديين، فعمل الكبرى تقديم كلمة الله أي العهدين القديم والجديد، لكي تتذوقهما الأخت الصغرى وتحبهما وتقتنيهما كثديين لها. هذا هو عمل الكنيسة الإنجيلي... تُقديم كلمة الله الحية لكل إنسان. 

تُقدم الأخت الكبرى نفسها وحياتها للصغرى، فتقول لها إن كنتِ في حاجة إلى سور يحوط حولك وبرجين يرتفعان بك... فأنا في خدمتك "أنا سور وثدييّ كبرجين". اقبلي السيد المسيح الذي في داخلي سورًا لك والكتاب المقدس ثديين يشبعانك.

لا يقف الأمر عند معالجة ما نقص في حياة الأخت الصغرى التي بلا ثديين، لكن الكبرى تبني عليها برجًا من الفضة وتحوطها بألواح أرز... وكأنها تسند أختها حتى تصير خادمة عاملة في كرم الرب. إن عمل الكنيسة هو الدخول بغير المؤمنين إلى الإيمان ودفعهم إلى الشهادة العملية لكلمة الله أمام الغير... بهذا يصيرون كالبرج الفضي (الفضة تُشير لكلمة الله المصفاة كالفضة، والبرج يُشير للشهادة العلنية).


بهذا تصير الكنيسة في أعين الجميع كواجدة سلامًا حقيقيًا في حياة البشرية.


* * * 


ملخص الآيات ٨ و ٩  :


لنا أخت صغيرة ليس لها ثديان. فماذا نصنع لأختنا في يوم تخطب. إن تكن سورًا فنبنى عليها برج فضة. وإن تكن بابًا فنحصرها بألواح أرز. أنا سور وثدياي كبرجين. حينئذ كنت في عينيه كواحدة سلامة" 

هذه العبارات هي حديث عن الخدمة :

(أ) مَنْ لا ثديان لها رمز لغير المؤمنين. فالثديين يرمزان للعهد القديم والجديد. ومع ذلك فهي تعتبر أخت.. هكذا يجب أن ننظر إلى غير المؤمنين فهُمْ أخوة لنا نتعامل معهم كما يتعامل الأخ الأكبر مع الأصغر (وليس كالابن الأكبر والابن الأصغر في مَثَل الابن الضال).

(ب) طالما أن الأخت الصغرى بلا ثديين فعمل الكبرى أن تقدم لها كلمة الله وهو ما ينقصها.

(ج) عند خطبة الصغرى إن كانت سورًا (ترفض كلمة الله) ، تبنى الأخت الكبرى عليها برجًا فضيًا (الفضة رمز لكلمة الله المصفاة)، وإن كانت بابًا (أصبحت بابا لدخول الغير مؤمنين إلي يسوع) تحصرها بألواح الأرز أي أن  الله سيسيج حولها  و سنسندها بالعمل الإيجابي حتى تصير كاملة.





10 أنا سور وثدياي كبرجين. حينئذ كنت في عينيه كواجدة سلامة


العروس ، اي الكنيسة ، هنا ترد على عريسها (يسوع المسيح)  قائلة أنا أعلم أنك قد أعطيتني أن أكون سور أحمي أولادي داخلي. 


وثدياي كبرجين =

الكتاب المقدس بعهديه  القديم و الجديد ترضع بهما (الكنيسة)  أولادها لتحميهم. 

والكنيسة التي تطعم أولادها وتحميهم كسور تكون كواجدة سلامة = هي تحيا في سلام وتنشر السلام وسط من حولها. هي وجدت السلام لوجود عريسها ملك السلام فيها وصارت مصدرا للسلام لمن يأتي إليها.





11 كان لسليمان كرم في بعل هامون. دفع الكرم إلى نواطير، كل واحد يؤدي عن ثمره ألفا من الفضة


كان لسليمان كرم في بعل هامون.

 بعل هامون = 

شعب كثير. 

و الروح القدس يصوريسوع المسيح أمامنا هنا كسليمان الحقيقي الذي له كرم في "بعل هامون" أي أنه رب جمهور غفير كسليمان الحقيقي ، او هنا يرسم أمامنا الروح القدس سيادة الرب يسوع، وان جمهور المؤمنين هم عبيد أو خدام مسئولون أمامه


ولذلك تترجم الآية "كان كرم لسليمان كرب جمهور". 

فالمسيح صار عريس ورب كنيسته. 

وهو أعطى الكرم لخدام = نواطير

و هو لم يبعه لهم بل سلمهم كرمه ليحرسوه، ويقدموا له الثمار في أوقاتها. ولكنه مازال كرمه. وعلى الخدام أن يقدموا له ألفًا من الفضة = ١٠٠٠ يشير للسماويات. إذًا الثمر الذي يطلبه الله من خدامه أن يقدموا له ثمارًا لعملهم، والثمار التي تفرح قلب الله وتشبعه هي النفوس التي آمنت وتابت وصارت نفوسًا سماوية (إشعياء ٥٣ / ١١ + يوحنا ٤ / ٣٤ + متي ٢١ / ١٨ - ١٩). ونلاحظ في متي ٢١ / ١٨ أن المسيح كان جائعًا ليس للتين بل لإيمان اليهود، شجرة التين في متي ٢١ / ١٩.


* * * 


بمعني أخر : سليمان الحقيقي المشار اليه هنا هو : يسوع المسيح

"كان لسليمان كرم في بعل هامون. دفع الكرم إلى نواطير (حرّاس) كل واحد يؤدى عن ثمره ألفًا من الفضة. كرمي الذي لي هو أمامي. الألف لك يا سليمان ومئتان لنواطير الثمر. أيتها الجالسة في الجنات الأصحاب يسمعون صوتك فأسمعيني. اهرب يا حبيبي وكن كالظبي وكغفر (صغير) الأيائل على جبال الأطياب" (نش ٨: ١١ ١٤)

+ الكرم للمسيح (سليمان الحقيقي) وهو يعمل فيه خلال الكرامين والكرم ليس للكنيسة بل لسليمان.

+ بعل تعنى سيد وهامون تعنى الجموع إن كرم المسيح ملك السلام إنما هو جموع البشرية كلها إنه يصير ملكًا للجموع ليدخل بهم إلى سمواته.

+ سلم الكرم إلى كرامين ونواطير (حراس) وهو لا يكف عن العناية به لأنه كرمه "كرمي الذي لي".

+ الألف لسليمان الثمر كله لله ومئتان (مئة لرجال العهد القديم ومئة لرجال العهد الجديد) فالثمر الكثير يتمتع به كل خدام العهدين.

+ الخدام الذين يعملون لحساب المسيح الذي له الألف يصيرون كمن هم وسط جنات فيتحول الباب الضيق والطريق الكرب إلى نير هين وحمل خفيف ويعيشون وهم على الأرض كأنهم في فراديس.





12 كرمي الذي لي هو أمامي. الألف لك يا سليمان، ومئتان لنواطير الثمر


ان في كلام العروس عن "الكرم" إشارة إلى موضوع الخدمة ومسئوليتنا بازائها ، فمتى عرفنا  يسوع المسيح فهذا ينشئ فينا رغبة صادقة في خدمته. 

تشير العروس إلى كرمها هي "كرمي الذي لي هو أمامي"  ، فعلاوة على كرم سليمان الكبير، كان للعروس كرم صغير لها بداخل كرم سليمان الكبير ، وكان موضوع رعايتها واهتمامها "هو أمامي" فهي في بداءة هذا السفر تعترف بحالتها لأنها أهملت كرمها " أما كرمي فلم أنطره" (نشيد الانشاد ١ / ٦)  أما الآن فأنها ترى في حالة الصحو والسهر "كرمي الذي لي هو أمامي".


وهي باختيارها تقدم لسليمان "ألفا من الفضة" من كرمها "الألف لك يا سليمان" فعواطف محبتها تتعادل مع مطاليبه، فان كان قد طلب من كرمه هو "ألفا من الفضة" فأنه لن يأخذ أقل من ذلك من كرمها هي، وفي هذا نرى ان المحبة ليست أقل أثمارا وإنتاجا من المسئولية، فإذا ما أدركت قلوبنا كيف نثمر المحبة والعواطف النقية والمخلصة للمسيح بالصورة المرسومة أمامنا في كلمات العروس هذه، فان محبتنا للمسيح تكون محبة عملية بالحق. ان المحبة وحدها هي التي تستطيع ان تؤدي بسرور وفرح ما يجب ان يؤدي تحت المسؤلية، وهي تجد بهجتها في ان تتعب لأجل من تحب، وهذا معنى قول العروس "الألف لك يا سليمان" فالمحبة تقدم له الكل, وهو ، أي سليمان الحقيقي (يسوع المسيح)  يتقبل ذلك لا باعتبار أنه مجرد واجب، بل لان العروس تقدم بسرور "بروح المحبة " الخالصة وبقلب مبتهج. ليتنا نتعلم كيف نمارس خدمتنا للرب بهذه الروح ، روح المحبة لذاك الذي أحبنا وخدمنا ولا زال يخدمنا.


ثم تدرك العروس مبدأ المكافأة والمجازاة على الخدمة والتعب الرب "ومئتان لنواطير الثمر" وهذه حقيقة واضحة كل الوضوح في كلمة الله، وهي ان كل خدمة للرب سيكون لها جزاؤها بكل يقين، فلا يمكن ان واحد من المؤمنين يعمل شيئا بأمانة للرب إلا وينال منه المجازاة والمكافأة، فهو له المجد ليس " بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ اسْمِهِ" ( رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين ٦ / ١٠)  والرب يعطي المجازاة روحيا الآن، ثم سيعطيها علنية أمام "كرسي المسيح" وهذه المكافأة ستكون على مبدأ النعمة فان كل واحد منا عندما ينال المجازاة سيشعر أنه أخذ أكثر كثيرا مما يستحق، وكان العروس قد عرفت ذلك عندما قالت بان الحراس يأخذون "مئتان من الفضة" والحصاد يأخذ أجرة ويجمع ثمارا للحياة الأبدية لكي يفرح الزارع والحاصد معا" (يوحنا ٤ / ٣٦).


"إذا يا أخوتي الأحباء كونوا راسخين غير متزعزعين في عمل الرب في كل حين عالمين ان تعبكم ليس باطلا في الرب" ( رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ١٥ / ٥٨) "ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ٣ / ٨). "حينئذ يكون المدح لكل واحد من الله" (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ٤ / ٥).





13 أيتها الجالسة في الجنات، الأصحاب يسمعون صوتك، فأسمعيني


هنا يوجه العريس (يسوع المسيح) كلامه للشعب اليهودي و لكنيسته التي سينضم لها فيما بعد الشعب اليهودي. 

بالنسبة للشعب اليهودي، يطلب العريس المبارك، المسيا من حبيبته الجميلة العروس الأرضية، البقية التقية من (سبط) يهوذا  ان تسمعه صوتها "فأسمعيني" ، وهي إذ تلبي نداءه تترنم وتغني بأناشيد الحمد للملك المتوج، وستترنم معها الأرض كلها، وتذيع "أوصنا" السعيدة عندما "يملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرضي" (مزمور ٧٢ / ٨) فالخليقة بأسرها ستمتلئ بالفرح والابتهاج في ملك المسيا المجيد، وبنغمات الحمد والشكر تحمي مليكها المجيد.


أما بالنسبة للكنيسة ، فحب العروس لم يعد خفياً ولا مكتوماً. والأصحاب السمائيين صاروا يفرحون بصوت تسبحتها والأرضيين يفرحون بصوت كرازتها. فهو يفرح بصوتها والأصحاب يفرحون أيضاً. الجنات = الروح القدس حول الكنيسة إلى جنة مملوءة ثمارا "محبة فرح ..". وبهذا أعاد الروح القدس الكنيسة لما كانت عليه جنة عدن (عَدْنْ كلمة عبرية تعنى فرح).


وماذا كان حال جنة عدن؟ محبة متبادلة بين الله وآدم، فالله محبة، وآدم مخلوق على صورة الله. ونتيجة المحبة كانت حياة آدم كلها فرح (وهذا معنى جنة عدن، بل نقول أنه لهذا خلق الله الإنسان - لكي يفرح). وبعد الفداء أرسل الله الروح القدس وكانت من ثماره "المحبة والفرح .." فأعاد الإنسان لما كان عليه حاله في الجنة.


ان قلب العروس إذ يتوق إلى ذلك الوقت السعيد، وقت الملك المجيد، فهي ترجو ان يأتي عريسها وحبيبها سريعا، وهو سيحقق لها انتظارها إذ لا بد ان "تأتي أزمنة الفرج من وجه الرب ويرسل يسوع المسيح. . . الذي ينبغي ان السماء تقبله إلى أزمنة رد كل شيء التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر" (سفر أعمال الرسل ٣ / ١٩ - ٢١) أنه له المجد سيأتي لغبطة الكنيسة ومجد إسرائيل وبركة الأرض كلها.


والعروس ترى هنا جالسة "في الجنات"، فهي ليست بعد في البرية، ولكنها تهنأ بالامتيازات المباركة في جو الغبطة والابتهاج، وهناك يسمع الأصحاب صوتها "الأصحاب يسمعون صوتك" وكلمة الرب الأخيرة "أسمعيني" لها أهميتها، فقد نكون متمتعين بغبطة الوجود "في الجنات" في صفاء وسلام، وقد نتحدث كثيرا إلى أخوتنا "الأصحاب" بكلام مفيد ونافع للبنيان، ولكن هل نحن نعنى بالكلام مع الحبيب وبالتحدث إليه شخصيا؟  هذه هي آخر كلمة يوجهها العريس إلى عروسه في هذا السفر "فأسمعيني" ليذكرها وبذكرنا بأنه وان كان الكلام مع الأصحاب حسنا إلا ان الكلام معه أحسن وألزم بما لا يقاس، وان الحبيب يهمه كثيرا ان نكون على صلة دائمة به. أنه يريد ان يكون ذلك موضوع اهتمامنا الأول. ألسنا في حاجة إلى كلمة الرب هذه؟ نعم إذ ما أقل حديثنا مع الرب الذي يريد في كل حين ان يسمع أصواتنا "فأسمعيني".





14 اهرب يا حبيبي ، وكن كالظبي أو كغفر الأيائل على جبال الأطياب


إهرب =

 بمعنى إهرب سريعا أو أسرع يا حبيبى وتعال في مجيئك الثاني لتأخذنى معك وكن كالظبى أو كغفر الأيائل = أسرع وتعال دائسا على كل محاربات العدو ضد كنيستك، فأنت حاد البصر كالظبى ترى ما يفعله عدو الخير في كنيستك. وهذا نفس ما رددته النفوس التي تحت المذبح في (رؤيا ٦ / ١٠). وهذه النهاية تشبه "آمين تعال أيها الرب يسوع".


جبال الأطياب = 

تشير للمكان السماوي الذي فيه المسيح الآن يشفع في عروسه وينتظرها وهي مشتاقة ليوم اللقاء. وفي السماء ما عاد هناك جبال مشعبة ولا جبال نمور وأسود ، فلا تجارب ولا آلام ولا ضيقات ولا حروب من إبليس النجس فأورشليم السماوية لا يدخلها شيء دنس (رؤيا ٢١ / ٢٧) ، بل فرح لا ينطق به ومجيد = أطياب.


العروس تشتاق إلى مجيئه و لقياه. تماما كقول العهد الجديد "والروح والعروس يقولان تعال" (رؤيا ٢٢ / ٧) . أنها تريد ان يأتي سريعا لتراه "كما هو" ولكي تكون معه "كل حين" وأنه بمجيئه سيلاشي عنها عناء البرية الموحشة ومشقاتها. نعم ان مجيئه سيغير المشهد الحاضر الملطخ بالخطية والملئ بالأشواك، وعندئذ ستملأ رائحة الأطياب، المنسكبة على قدميه، المسكونة بأسرها، وستكون الأرض عندئذ لمسرة خالقها وسينتشر العطر من "جبال الأطياب" هذا بلا ريب هو منظر الملك الألفي البهيج الذي فيه سيكون لعروس الحمل أقرب وأعز مكان في قلب عريسها، وسيكون العريس المبارك مجد وإكليل ذلك العصر الذهبي السعيد، كما سيكون هو مجد وإكليل العروس نفسها.


وكم هو جميل ان هذا السفر النفيس يترك في ختامه أعظم أثر في نفوسنا إذ يضع أمامنا مجيء ربنا المبارك، فان غاية الروح القدس في ختام هذا السفر هو ان تكون قلوبنا مهيأة ومستعدة ومتشوقة إلى مجيء المسيح فتدعوه برغبة صادقة "أهرب ، أسرع يا حبيبي". ولقد كانت آخر كلمة للمسيح له المجد على صفحات الوحي المقدس هي "نعم. أنا آتي سريعا" فليتنا نقول بحق ومن كل القلب "آمين. تعال أيها الرب يسوع" (رؤيا يوحنا ٢٢ / ٢٠).








تم ... 


انتهي شرح و تفسير

 نشيد الأنشاد ...



تم عمل هذا الموقع بواسطة